ملا محمد مهدي النراقي
58
جامع السعادات
الدينار والدرهم ، وعلم أنه لا يقدر على الجمع بينهما ، لم يحب إلا الدينار . كذلك من عرف الله ، وعرف لذة النظر إلى وجهه الكريم ، وعرف أن الجمع بين تلك اللذة ولذة التنعم بالحور العين والنظر إلى القصور وخضرة الأشجار غير ممكن ، فلا يحب إلا لذة النظر ولا يؤثر غيره . وقال بعض العرفاء : ولا تظنن أن أهل الجنة عند النظر إلى وجه الله تعالى يبقى للذة الحور والقصور متسع في قلوبهم ، بل تلك اللذة بالإضافة إلى لذة نعيم الجنة ، كلذة ملك الدنيا والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب الخلق ، بالإضافة إلى لذة الاستيلاء على عصفور واللعب به . والطالبون لنعيم الجنة ، عند أهل المعرفة وأرباب القلوب ، كالصبي الطالب للعب بالعصفور التارك للذة الملك ، وذلك لقصوره عن إدراك لذة الملك ، لا لأن اللعب بالعصفور في نفسه أعلى وألذ من الاستيلاء بطريق الملك على كافة الخلق . تتميم الزهد الحقيقي لا تظنن أن كل من يترك مال الدنيا أنه زاهد ، فإن ترك المال وإظهار التضييق والخشونة في المأكل والمأكل والملبس سهل على من أحب المدح بالزهد . فكم من الرهبان والمرائين تركوا مال الدنيا وروضوا ( 45 ) أنفسهم كل يوم على قدر قليل من القوت ، واكتفوا من المسكن بأي موضع اتفق لهم ، وكان غرضهم من ذلك أن يعرفهم الناس بالزهد ويمدحهم عليه ، فهم تركوا المال لنيل الجاه . فالزهد الحقيقي ترك المال والجاه ، بل جميع حظوظ النفس من الدنيا . وعلامة ذلك استواء الغنى والفقر والذم والمدح والذل والعز لأجل غلبة الأنس بالله ، إذ ما لم يغلب على القلب الأنس بالله والحب له لم يخرج عنه حب الدنيا بكليته . إذ محبة الله ومحبة الدنيا في القلب كالماء والهواء في القدح ، فإذا دخل أحدهما خرج الآخر ، فكلاهما لا يجتمعان ولا يرتفعان أيضا . فالقلب المملوء من حب الدنيا يكون خاليا عن حب الله ، كما أن القلب المشغول بحب الله وأنسه فارغ عن حب الدنيا ، وبقدر ما
--> ( 45 ) في بعض النسخ ( ردوا ) ، وفي بعض آخر ( رودوا ) . والظاهر أن الصحيح ما أثبتاه .